الشيخ محمد رشيد رضا

183

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عوارض الجسم فيها فكذلك نحن نعمل في تلك الصفات التي ينسوننا فيها إلى التشبيه سواء بسواء . ومن أنصف عرف ما قلنا واعتقده وقبل نصيحتنا ودان للّه باثبات جميع صفاته هذه وتلك ونفى عن جميعها التشبيه والتعطيل والتأويل والوقوف وهذا مراد اللّه تعالى منا في ذلك لأن هذه الصفات وتلك جاءت في موضع واحد وهو الكتاب والسنة فإذا أثبتنا تلك بلا تأويل وحرفنا هذه وأولناها كنا كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض وفي هذا بلاغ وكفاية ان شاء اللّه تعالى ( فصل ) وإذا ظهر هذا وبان انجلت الثلاث المسائل بأسرها وهي مسألة الصفات من النزول واليد والوجه وأمثالها ومسئلة العلو والاستواء ومسئلة الحرف والصوت : أما مسألة العلو فقد قيل فيها ما فتحه اللّه تعالى وأما مسألة الصفات فتساق مساق مسألة العلو ولا نفهم منها ما نفهم من صفات المخلوقين بل يوصف الرب تعالى بها كما يليق بجلاله وعظمته ، فينزل كما يليق بجلاله وبعظمته ، ويداه كما يليق بجلاله وعظمته ، ووجهه الكريم كما يليق بجلاله وعظمته ، فكيف ننكر الوجه الكريم ونحرف وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم في دعائه « أسألك لذة النظر إلى وجهك » وإذا ثبتت صفة الوجه بهذا الحديث وبغير من الآيات والنصوص فكذلك صفة اليدين والضحك والتعجب ولا يفهم من جميع ذلك الا ما يليق باللّه عز وجل وبعظمته لا ما يليق بالمخلوقات من الأعضاء والجوارح تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ( ثم قال ) وأما مسألة الحرف والصوت فتساق هذا المساق فان اللّه تعالى قد تكلم بالقرآن المجيد وبجميع حروفه فقال تعالى ( ألم ) وقال ( المص ) وقال ( ق والقرآن المجيد ) وكذلك جاء في الحديث « فينادي يوم القيامة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب » وفي الحديث « لا أقول ألم حرف ، ولكن الف حرف ، لام حرف ميم حرف » فهؤلاء ما فهموا من كلام اللّه تعالى الا ما فهموه من كلام المخلوقين فقالوا ان قلنا الحرف فالحروف من ذلك يؤدي إلى القول بالجوارح واللهوات « 1 » وكذلك إذا

--> ( 1 ) اللهوات جمع لهاة وهي اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى الفم : ويجمع أيضا على لهى ولهات :